تواجه المنظومة الصحية بالمغرب، ومعها آلاف الأسر، تحديا صحيا واقتصاديا غير مسبوق خلال العقود المقبلة، على خلفية التحذيرات الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، والتي تتوقع قفزة قياسية في معدلات الإصابة بالأورام السرطانية بنسبة تناهز 70% بحلول سنة 2050، مما يضع الدول ذات الدخل المتوسط وتحت المتوسط أمام ضغط استثنائي لا يستثني أحدا.
وتكشف آخر المؤشرات الإحصائية الصادرة عن المرصد الدولي لأبحاث السرطان حجم المعاناة الصامتة داخل المملكة، إذ يسجل المغرب سنويا ما يزيد عن 63,609 حالة جديدة، في حين تخطف هذه الأمراض أرواح أزيد من 36,947 مواطن كل عام، وهي أرقام مرشحة للارتفاع مدفوعة بالتحولات الديموغرافية السريعة مثل الشيخوخة، والتغيرات العميقة في النمط الغذائي، فضلا عن اتساع رقعة التلوث البيئي والمهني وسلوكيات التدخين والخمول البدني.
هذا الإنذار الأممي المربك يأتي تزامنا مع دخول المغرب المنعطف الأخير من المخطط الوطني للوقاية من السرطان ومكافحته (2020-2029)؛ حيث ناقشت لجنة القيادة بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مؤخرا، ترتيب الأولويات الحيوية للفترة الممتدة بين 2027 و2029. وتتركز الرهانات الراهنة في تعزيز مراكز التشخيص المبكر وإيجاد حلول جذرية لمعضلة “التفاوتات المجالية” التي تحرم سكان المناطق البعيدة والهامشية من الولوج المتكافئ للعلاجات الكيميائية والإشعاعية، في وقت تتابع فيه مراكز الأورام العمومية حاليا أزيد من 110 آلاف مريض سنويا.
وبعيدا عن لغة الأرقام الطبية الجافة، يسلط التقرير الضوء على المأساة الاجتماعية والاقتصادية المرافقة للمرض؛ إذ تشير المعطيات إلى أن أسرة واحدة من بين كل أسرتين تواجه “إنفاقا صحيا كارثيا” يهدد استقرارها المالي بسبب تكاليف العلاج، التنقل، والاضطرار للتوقف عن العمل. ورغم المجهودات المبذولة لتوسيع التغطية الصحية، لا تزال الفجوة شاسعة في إدراج الأدوية المبتكرة والأساسية بالكامل ضمن سلة الخدمات المجانية، مقارنة بالدول المرتفعة الدخل.
وفي مقابل هذا القلق، يؤكد الخبراء أن الرهان الحقيقي للسنوات القادمة يجب أن ينصب على الوقاية؛ حيث يمكن تفادي 40% من حالات الإصابة عبر سياسات صارمة ومستدامة لمكافحة التبغ، وتشجيع التغذية السليمة واللقاحات مثل لقاح الفيروس الحليمي البشري (HPV)، وهي خطوات تظل الأقل كلفة والأكثر نجاعة لحماية جيوب المواطنين وصون قدرات الميزانية العامة المخصصة لقطاع الصحة.









