نجحت المملكة المغربية في ترسيخ مكانتها كأبرز وجهة جاذبة للاستثمارات الآسيوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد أن ضخت شركات صناعة السيارات الصينية ما يناهز 6 مليارات دولار في المنظومة الصناعية الوطنية منذ عام 2020، وهو الرقم الذي يمثل نصف الحجم الإجمالي للاستثمارات الصينية الموجهة لقطاع السيارات في المنطقة، وفقا لما أوردته الأسبوعية الاقتصادية المغربية “فينانس نيوز هيبدو” (Finances News Hebdo).
وتأتي هذه التدفقات المالية الضخمة في سياق استراتيجية توسعية تنتهجها بكين —التي تتربع على عرش إنتاج السيارات عالميا بإنتاج سنوي يناهز 35 مليون مركبة— تهدف من خلالها إلى نقل وحداتها الإنتاجية خارج حدودها والتقرب من أسواق الاستهلاك الكبرى، مستفيدة من الاتفاقيات التجارية المبرمة واليد العاملة التنافسية.
وأوضح يوسف علمي، أستاذ الاقتصاد الصناعي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في تصريح نقلته مجلة “فينانس نيوز”، أن المملكة تقدم باقة من المزايا التنافسية الحاسمة للمستثمرين؛ في مقدمتها القرب الجغرافي الذي يتيح إيصال الشحنات نحو القارة الأوروبية في ظرف لا يتعدى 48 ساعة عبر المسارات البرية، مقارنة بـأسبوعين كاملين يستغرقهما الشحن البحري انطلاقا من الموانئ الصينية، فضلا عن توفر المغرب على شبكة مناولة محلية متطورة واتفاقيات تبادل حر تمنح إعفاءات جمركية بالغة الأهمية.
ولا تقتصر الجاذبية المغربية على الامتيازات الجغرافية واللوجستية فحسب، بل تمتد لتشمل المتغيرات الجيوسياسية والتجارية الدولية؛ حيث أبرزت الصحيفة الاقتصادية ذاتها أن التوجه الصيني الاستثماري نحو المغرب يعمل كـ “قاعدة خلفية” استراتيجية لمواجهة وتجاوز الرسوم الجمركية الصارمة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات القادمة من الصين، والتي يمكن أن تصل قيمتها إلى 45%، مما يسمح للمصنعين بالحفاظ على مستويات أسعار تنافسية في السوق القارية.
ويعد المشروع الضخم الذي تقوده مجموعة “غوتيشن هاي تيك” (Gotion High-Tech) في مدينة القنيطرة أحد أبرز النماذج الحية لهذا التوغل الاقتصادي؛ إذ خصصت المجموعة غلافا ماليا استثماريا بقيمة 1.3 مليار دولار لتشييد مصنع ضخم لإنتاج بطاريات المركبات الكهربائية، وهو مشروع هيكلي من شأنه خلق نحو 17 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بالإضافة إلى الرفع من معدلات الإدماج المحلي وتسهيل نقل التكنولوجيا الحديثة.
ومن الناحية الاستراتيجية، تساهم هذه الشراكات الجديدة في إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية في المنطقة؛ حيث أشار الخبير الاقتصادي يوسف علمي إلى أن ولوج الفاعلين الصينيين يتيح تنويع المنظومة الصناعية الوطنية التي كانت تاريخيا خاضعة لهيمنة الشركات الأوروبية، ولاسيما الفرنسية منها. هذا التحول التموقعي نحو القارة الآسيوية يقلل من التبعية الاقتصادية للمملكة تجاه الشركاء التقليديين، ويحمي الاستثمارات المحلية من أي تجاذبات سياسية أو نقاشات حول ترحيل الوظائف في الفترات الانتخابية داخل أوروبا، مما يكرس دور المغرب كحلقة أساسية لا محيد عنها في سلسلة القيمة العالمية لصناعة السيارات.


