مع كل استحقاق انتخابي، تتكرر المشاهد نفسها في المغرب. مرشحون يجوبون الأزقة والأحياء، يطرقون أبواب المواطنين، يصافحون الجميع، ويقدمون وعوداً كبيرة عن التنمية والتشغيل وتحسين ظروف العيش.
لكن ما إن تنتهي الانتخابات ويصل البعض إلى المقاعد والمناصب، حتى يبدأ المواطن في طرح السؤال نفسه: أين اختفى المنتخب الذي كان بالأمس قريبا منا؟
كثير من المنتخبين لا يظهرون إلا خلال الحملات الانتخابية، حيث يتحولون فجأة إلى أشخاص قريبين من المواطنين، يعرفون مشاكلهم، ويعدون بحلها. أما بعد الفوز، فتتغير الصورة، ويصبح الوصول إليهم صعبا، والاستماع إلى المواطنين أمراً مؤجلاً، بينما تبقى المشاكل كما كانت.
الكرسي أصبح الهدف وليس خدمة المواطن
المشكلة الحقيقية ليست في الانتخابات، بل في الطريقة التي ينظر بها بعض المرشحين إلى المسؤولية.
فبدل اعتبار المنصب تكليفاً لخدمة المواطنين، أصبح بالنسبة للبعض وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، وتعزيز النفوذ، وبناء العلاقات، والحصول على الامتيازات.
يدخل المرشح الانتخابات بشعار خدمة المواطن، لكنه بعد الفوز ينشغل بمصالحه، وينسى أن آلاف المواطنين وضعوا ثقتهم فيه وانتظروه ليكون صوتهم داخل المؤسسات.
وهنا يتحول المواطن من صاحب حق إلى مجرد رقم انتخابي، لا قيمة له إلا يوم التصويت.
سنوات من الانتظار.. وحصيلة شبه فارغة
يمر المنتخب بفترة ولايته كاملة، ثم يعود المواطن ليتساءل: ماذا تغير؟
هل تحسنت الطرق؟ هل تم توفير فرص للشباب؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل تم الدفاع فعلا عن مشاكل المنطقة؟ هل تغير شيء في حياة المواطن؟
في كثير من الأحيان، تكون الحصيلة ضعيفة مقارنة بحجم الوعود التي تم تقديمها خلال الحملة الانتخابية.
والأخطر أن بعض المنتخبين يعودون في الانتخابات التالية بالوعود نفسها، وكأن السنوات الماضية لم تكن موجودة، وكأن المواطن لا يتذكر ما قيل له سابقاً.
وعود تتكرر، ومشاكل تستمر، ووجوه تعود من جديد.
الشعب لا يريد الكلام.. بل يريد النتائج
المواطن المغربي لم يعد يحتاج إلى مزيد من الخطب والشعارات.
فالكلام سهل، والوعود لا تكلف شيئاً، لكن الإنجاز هو المعيار الحقيقي.
المنتخب الذي يستحق ثقة المواطنين هو من يستطيع أن يقدم حصيلة واضحة، وأن يقول للناس: هذا ما وعدتكم به، وهذا ما استطعت تحقيقه، وهذا ما لم أستطع تحقيقه وهذه أسبابه.
المسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف الأعذار، ولا ينتظر خمس سنوات ليعود إلى المواطنين، بل يكون حاضرا بينهم ويستمع إليهم ويعمل من أجلهم.
من يمثل الشعب يجب أن يعيش همومه
لا يمكن لمنتخب أن يمثل المواطنين وهو بعيد عنهم.
فالسياسة ليست مجرد حضور جلسات أو التقاط صور أو نشر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. المسؤولية الحقيقية تعني متابعة مشاكل الناس، والدفاع عن مصالحهم، والمطالبة بحقوق مناطقهم.
الشعب يحتاج إلى منتخب يتحدث باسمه عندما يكون غائبا، لا إلى منتخب يبحث عن الشعب فقط عندما يحتاج إلى صوته.
فالمقعد الذي يصل إليه المنتخب ليس ملكا شخصيا له، بل هو أمانة منحها له المواطن لفترة محددة.
الوطن يحتاج إلى العمل لا إلى الوجوه نفسها
خدمة الوطن لا تكون بالشعارات، ولا بالتصريحات الكبيرة، وإنما بالعمل الحقيقي.
الوطن يحتاج إلى منتخب نزيه وكفء يشعر بثقل المسؤولية، ويعرف أن المنصب ليس امتيازا دائما، بل مهمة سيحاسب عنها أمام المواطنين.
أما استمرار نفس العقليات التي ترى في الانتخابات مجرد طريق نحو السلطة والنفوذ، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.
حان وقت المحاسبة
ربما السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه المواطن في كل انتخابات ليس: من هو المرشح؟
بل: ماذا قدم هذا الشخص عندما كانت لديه المسؤولية؟
من حق المواطن أن يسأل، وأن يحاسب، وأن يطالب بالنتائج.
فلا أحد يجب أن يحصل على ثقة جديدة لمجرد أنه يعرف كيف يخاطب الناس، أو لأنه يطلق وعودا أكبر من السابق.
المواطن لا يحتاج إلى منتخب يظهر في موسم الانتخابات ويختفي بعده، بل يحتاج إلى مسؤول يبقى قريبا منه طوال سنوات المسؤولية.
وفي النهاية، فإن قوة أي انتخابات لا تقاس بعدد المرشحين، بل بجودة من يتم اختيارهم. لأن الوطن والشعب لا يحتاجان إلى مزيد من الوعود، بل إلى منتخبين يتركون أثراً حقيقياً بعد انتهاء ولايتهم.
فالكرسي لا يصنع مسؤولا، واللقب لا يصنع إنجازا، والمنصب لا قيمة له إن لم يتحول إلى خدمة حقيقية للشعب والوطن.


