تنقل الخطارات المغربية المياه الجوفية إلى الواحات عبر قنوات قديمة تحت الأرض، بانحدار محسوب يسمح باستمرار الجريان. وفوقها، تظهر فتحات متتابعة قد يظنها المار آباراً منفصلة، بينما ترتبط أجزاء منها بممر مائي واحد تحت الأرض.
هذه هي الخطارات المغربية: منظومة تلتقي فيها معرفة الأرض بحرفة الحفر وتنظيم الانتفاع بالماء. وفي عملها التقليدي، يمكن للمياه أن تصل إلى الحقول من دون مضخة ترفعها، ما دام المنسوب والانحدار يسمحان بذلك. ويعرض المتحف العلمي الافتراضي لليونسكو دور هذه الأنفاق في إمداد الواحات بالماء، خصوصاً لأغراض الري.
كيف تعمل الخطارات المغربية؟
تبدأ الفكرة بالتقاط المياه من طبقة جوفية في موضع أعلى من منطقة الاستفادة، ثم توجيهها داخل قناة تحت الأرض نحو مخرج أخفض. وبفعل الجاذبية، يتحرك الماء على امتداد القناة إلى أن يظهر عند السطح، حيث يمكن توزيعه عبر السواقي.
ويوضح عرض أعدّه باحث من المعهد الوطني للبحث الزراعي، ونُشر على موقع منظمة الأغذية والزراعة «فاو»، أن الخطارات تجمع المياه الجوفية وتقودها بالجاذبية إلى الواحات، وأن إنشاءها يتطلب جهداً كبيراً، بينما تكون تكاليف تشغيلها منخفضة نسبياً.
ولتخيّل المسار، يمكن تقسيمه إلى أربع حلقات:
- المصدر: ماء موجود في باطن الأرض وتستطيع القناة اعتراضه.
- الممر: قناة بانحدار مناسب تسمح باستمرار الجريان.
- المخرج: نقطة تلتقي فيها القناة مع سطح الأرض.
- التوزيع: سواقٍ توجه الماء إلى مساحات الاستفادة.

لذلك، يعتمد نجاح الخطارة على اختيار مسارها وعلاقته بالماء والتضاريس، إلى جانب جودة حفرها وصيانتها.
ما وظيفة الفتحات المتتالية فوق الأرض؟
لا يمكن فهم الخطارة بالنظر إلى مخرج الماء وحده. فالآبار والفتحات العمودية التي تصل سطح الأرض بالممر السفلي تشكّل جزءاً من بنيتها، وتتيح الوصول إلى القناة أثناء إنجازها والعناية بها.
وتعرض الشبكة العالمية لمتاحف الماء رسماً يوضح اتصال هذه الفتحات بالقناة، إلى جانب صور لصفوفها في مناطق واحية مغربية. وما يظهر من الأعلى هو جزء من منشأة أوسع تستمر تحت التراب.
وهنا تتضح الفروق بين ثلاثة عناصر كثيراً ما ترد في الحديث عن الري التقليدي:
- البئر: حفر عمودي يتيح الوصول إلى الماء، ولا يعني وجوده وحده أن هناك خطارة.
- الخطارة: منظومة تجمع المياه الجوفية وتنقلها عبر ممر تحت الأرض.
- الساقية: قناة سطحية يمكن أن تتولى نقل الماء وتوزيعه بعد خروجه.
وقد تتكامل الخطارة والساقية ضمن شبكة واحدة، لكل جزء منها وظيفة مختلفة.
بلا مضخات لا تعني بلا شروط
تقلّل الخطارة التقليدية الحاجة إلى طاقة رفع الماء، لكنها تظل مرتبطة بالمخزون الجوفي الذي يغذيها. فإذا تراجع المنسوب بما يمنع وصول الماء إلى القناة، فقد يضعف الجريان أو يتوقف، حتى لو بقي الممر قائماً.
وتناقش دراسة علمية منشورة سنة 2023 ومفهرسة في قاعدة AGRIS هذه المعضلة في واحات المغرب. فقد ارتبط جفاف خطارات درستها بضغط الضخ وتراجع تغذية الفرشة المائية، ولجأت بعض الجماعات إلى دعمها بماء يُضخ بالطاقة الشمسية.
وبحسب الدراسة، يساعد هذا الدعم على استمرار الوصول الجماعي إلى الماء، لكنه قد يساهم أيضاً في مزيد من انخفاض منسوب الفرشة. لذلك، لا يصح افتراض أن كل خطارة تعمل اليوم بالطريقة التقليدية وحدها، أو أن إضافة مضخة تحل مشكلة المورد المائي على المدى الطويل.
صيانة الخطارات المغربية وتنظيم توزيع الماء
تشير «فاو» في العرض البحثي إلى تعرض القنوات للتدهور عندما تغيب العناية بها، وإلى أهمية القواعد الاجتماعية المرتبطة بتوزيع الماء. فوجود ممر يصل المصدر بالواحة يحتاج إلى عمل متواصل يبقيه صالحاً، وإلى ترتيبات تنظم استفادة مستعمليه.
وتظهر أهمية التأهيل في تقرير للمنظمة نُشر في 25 نونبر 2024 بشأن واحات درعة تافيلالت. إذ أفاد بأن تأهيل الخطارات والسواقي عبر 12 جماعة ساعد على تحسين الري في مساحة قدرها 4940 هكتاراً. ويتعلق هذا الرقم بالمكونين معاً، ضمن تدخلات المشروع التي تناولها التقرير.
تستحق الخطارات الاهتمام بما تختزنه من معرفة عملية بالتضاريس والمياه والعمل الجماعي. وقيمتها اليوم ترتبط بقدرتنا على فهم شروط اشتغالها، وصيانة منشآتها، وحماية المورد الذي تعتمد عليه. فعند رؤية صف من الفتحات فوق أرض جافة، قد يكون المشهد جزءاً من قصة ماء تبدأ تحت القدمين وتصل إلى حقول واحة.
اقرأ أيضاً: ارتفاع درجات الحرارة في المغرب.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.