أظهرت ورقة تحليلية حديثة نشرها مركز “سنابل للدراسات والسياسات العمومية” (CSEPP)، عن معطيات رقمية مقلقة تخص بنية الاقتصاد الوطني، حيث كشفت أن 77% من الساكنة النشيطة في المغرب ما زالت خارج مظلة الحماية الاجتماعية والمساهمات الصندوقية لكل من (CNSS) و(CNOPS)، في وقت بات فيه القطاع غير المهيكل يلتهم 32.5% من الناتج الداخلي الخام للبلاد.
واستند نائب رئيس المركز، يوسف كراوي الفيلالي، في الوثيقة التوجيهية إلى المسوحات الميدانية المنجزة من طرف المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، مبرزا أن تعداد وحدات الإنتاج غير المهيكلة بالمملكة سجل قفزة نوعية بنسبة فاقت 30% خلال عقد ونصف؛ إذ انتقل من 1.55 مليون وحدة سنة 2007 إلى 2.03 مليون وحدة. وتزامن هذا النمو العددي مع تزايد مساهمة هذا القطاع الموازي في الناتج المحلي الإجمالي لتنتقل من 14% إلى 32.5%. وتضع هذه المؤشرات المغرب في صدارة النطاق الإقليمي مقارنة بدول الجوار كالمغرب الكبير ومصر، مما يعكس تحول “القطاع غير الرسمي” إلى معطى بنيوي في المنظومة الاقتصادية.
وتكشف جغرافيا هذا القطاع عن طابع حضري بامتياز؛ إذ تتمركز 77% من هذه الوحدات في المدن، وتستقطب جهة الدار البيضاء-سطات حصة الأسد بـ23%، تليها الرباط-سلا-القنيطرة بـ14%. ويظل النشاط التجاري الحاضن الأكبر لهذه الفئات، بنسبة تناهز 48% في الحواضر، مع هيمنة ذكورية شبه مطلقة تصل إلى 91%. كما يمارس الجزء الأكبر من هؤلاء النشطاء أعمالهم بدون مقرات ثابتة؛ حيث يعتمد 27% على التنقل نحو منازل الزبناء، و26% عبر وسائل النقل الخفيفة كالعربات والدراجات، بينما تعمل 85% من هذه الوحدات بشكل فردي كآلية معيشية يومية.
الكلفة الضريبية وعوائق التمويل البنكي
وأشار التقرير الصادر عن مركز (CSEPP) إلى الكلفة العميقة التي تتحملها المقاولات المهيكلة نتيجة هذه المنافسة غير المتكافئة، والتي تترجم في بعض الأحيان إلى فوارق في أسعار السلع تصل إلى 45%. ويرى الخبراء أن الضغط الضريبي، الذي بلغت نسبته 24% من الناتج الداخلي الخام، يشكل العقبة الأساسية أمام رغبة المهنيين في تسوية وضعيتهم القانونية، بالإضافة إلى صعوبة الولوج إلى التمويلات والخطوط الائتمانية البنكية، مما يترك هذه الوحدات عرضة للتقلبات المناخية والجيوسياسية، ويفرض على شغيلتها أجورا متدنية وغيابا لآفاق التطور المهني. ومقابل هذه السلبيات، يرى 75% من أرباب هذه الأنشطة (وفق بيانات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المعتمدة في الدراسة) أن القطاع يوفر لهم مزايا مرونة التوقيت واستقلالية القرار.
خارطة طريق “إدماج 2035”
ولإعادة التوازن إلى النسيج التجاري، طرحت الوثيقة مخططا إصلاحيا يمتد إلى غاية سنة 2035 يرتكز على محاور أساسية، من بينها هيكلة الوحدات الصغرى عبر إحداث مناطق أنشطة اقتصادية مخصصة ذات إيجار مناسب، ومراجعة سقف المعاملات الخاص بنظام المقاول الذاتي وحذف عتبة الـ80 ألف درهم المسموح بها لكل زبون.
أما على المستوى الجبائي، فدعت الدراسة إلى إرساء عدالة ضريبية تقطع مع إخضاع الشركات الصغرى والمتوسطة لنسب ضريبية مماثلة للمقاولات الكبرى، مع مراجعة الضريبة على الدخل وإدراج الفوترة الإلكترونية لتتبع المعاملات. واختتمت الورقة بالتأكيد على أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي انطلق بـ”توجيهات ملكية سامية”، يمثل الرافعة الأبرز لتحقيق هذا الانتقال، شريطة الرفع من جودة الخدمات والمرافق العمومية المواكبة، بهدف تقليص حجم الاقتصاد الموازي إلى حدود 20% بحلول سنة 2035 تماشيا مع المعايير الدولية.


