دخلت الترسانة القانونية لمواكبة الاقتصاد الرقمي بالمغرب مرحلة التطبيق الفعلي، عقب إعلان المديرية العامة للضرائب (DGI) عن تشغيل التظلم الإلكتروني والخدمة الرقمية الجديدة “Taxation on digital services” عبر منظومة “SIMPL” الإلكترونية. وتستهدف هذه المنصة تمكين الشركات العالمية ومزودي الخدمات عن بعد غير المقيمين من تسوية وضعيتهم الجبائية فوق التراب الوطني.
ويأتي هذا الإجراء تفعيلا للمقتضيات التي أقرتها قوانين المالية السابقة لملاءمة المنظومة الجبائية الوطنية مع الممارسات الدولية، حيث أصبح لزاما على الفاعلين الرقميين الأجانب التصريح برقم معاملاتهم المحقق داخل المملكة وتأدية الضريبة على القيمة المضافة (TVA) المرتبطة بها.
تنظيم ينهي الاستثناء الجبائي للمنصات العالمية
تستهدف المقتضيات الجديدة حصرا المزودين الأجانب الذين يقدمون خدمات غير مادية عن بعد لزبائن مغاربة غير خاضعين للضريبة (كالأفراد والمستهلكين الذاتيين)، ولا يملكون أي مقرات أو منشآت ثابتة داخل المملكة. وفي المقابل، يظل التعامل مع الشركات المغربية الخاضعة للضريبة مؤطرا بنظام “التصفية الذاتية” الذي كان ساريا في السابق، حيث تنوب المؤسسة الوطنية المستفيدة عن المزود الأجنبي في التصريح بالضريبة.
ويشمل نطاق التطبيق باقة واسعة من الخدمات الرقمية اليومية التي يستهلكها المغاربة، من بينها:
- اشتراكات منصات البث الترفيهي والموسيقي (مثل Netflix وSpotify).
- الخدمات والبرمجيات المعلوماتية المستضافة وصيانة المعدات عن بعد.
- المضامين الرقمية وحلول الحوسبة السحابية المقدمة من طرف عمالقة التكنولوجيا (GAFAM).
أربع التزامات لتسوية الوضعية وطرق تحديد المستهلك
يتوجب على الشركات غير المقيمة المستهدفة بهذا النظام القيام بأربع خطوات أساسية عبر البوابة الإلكترونية:
- التسجيل في المنصة والحصول على معرف ضريبي مغربي.
- تقديم تصريح ربع سنوي برقم المعاملات المحقق في المغرب قبل انقضاء الشهر الأول من كل فصل.
- أداء الضريبة على القيمة المضافة المستحقة دون الحق في الخصم.
- مسك سجل تفصيلي بالعمليات المنجزة والاحتفاظ به إلكترونيا لمدة عشر سنوات لوضعه تحت إشارة المراقبة الجبائية عند الطلب.
ولضبط جغرافية الاستهلاك والتحقق من أن الخدمة قدمت فعليا داخل المغرب، وضعت السلطات المالية معايير دقيقة لتحديد الموطن الضريبي للمستهلك؛ تشمل العنوان المدون في الفاتورة، أو استخدام بطاقة ائتمان صادرة عن مؤسسة بنكية مغربية، أو الاعتماد على العنوان الرقمي (IP) للجهاز المستعمل أثناء عملية الشراء.
تحديات الامتثال والسياسات السعرية
تطرح الآلية الجديدة تساؤلات حول مدى تأثيرها على أسعار الاشتراكات والخدمات الموجهة للمواطن المغربي. ويرى خبراء المحاسبة أن القرار يظل تجاريا بالدرجة الأولى؛ إذ لا تلزم القوانين الشركات بزيادة أسعارها، بل يعود القرار لإستراتيجية كل شركة حول ما إذا كانت ستمتص كلفة الضريبة للحفاظ على تنافسية الأسعار الموحدة دوليا، أم ستقوم بتمريرها كليا أو جزئيا للمستهلك النهائي.
ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه الإدارة الضريبية هو تتبع الشركات غير الممتثلة أو تلك التي ترفض التسجيل بالمنصة لعدم وجود تمثيلية مادية لها بالمملكة. ومع ذلك، فإن عمليات التعاون الدولي وتتبع مسارات الدفع والتحويلات المالية عبر البطاقات البنكية الدولية الموطنة محليا قد تشكل أداة ناجعة لتحديد الهويات وتأمين الحقوق المالية للميزانية العامة.


