الأكثر مشاهدة

من “تهديد محتمل” إلى كابوس إسباني.. كيف قلب طنجة المتوسط موازين موانئ أوروبا؟

قبل أكثر من عقدين، كان طنجة المتوسط مجرد مشروع لم يتجاوز بعد مرحلة التخطيط، لكن الصحافة الإسبانية كانت قد بدأت تتساءل عن تأثيره المحتمل على موانئ الضفة الأخرى من المتوسط.

اليوم، وبعد 23 عاما، تغيرت الصورة بالكامل.

الميناء المغربي لم يعد مشروعا يخشى الإسبان أن يتحول يوما إلى منافس، بل أصبح رقما صعبا في حركة التجارة البحرية العالمية، وتجاوز ميناء الجزيرة الخضراء في مؤشرات رئيسية، بينما بدأت المقارنات تمتد إلى روتردام وأنتويرب.

- Ad -

القصة بدأت قبل أن تصل أول سفينة

في غشت 2003، وقبل افتتاح طنجة المتوسط بسنوات، نشرت صحيفة El País الإسبانية مقالا تناول المشروع المغربي باعتباره منافسا محتملا للموانئ الإسبانية.

في ذلك الوقت، كان الحديث عن ميناء سيفتتح مستقبلا، لكن المخاوف كانت حاضرة منذ البداية: ماذا سيحدث للجزيرة الخضراء إذا نجح المشروع المغربي؟

وبعد سنوات قليلة، لم يعد الحديث عن مشروع على الورق.

في 2008، بدأت الصحافة الإسبانية تصف طنجة المتوسط بأنه ميناء ضخم قادر على دفع الجزيرة الخضراء إلى الاستثمار بقوة للحفاظ على موقعها في سوق النقل البحري.

مع توسع الميناء المغربي، تحولت المخاوف النظرية إلى منافسة فعلية.

ارتفعت حركة الحاويات في طنجة المتوسط بشكل كبير، وبدأت الصحافة الإسبانية تراقب تقدمه عاما بعد عام.

وفي 2014، ظهر عنوان أكثر وضوحا في El País: طنجة تتطلع إلى الجزيرة الخضراء.

كان الميناء الإسباني لا يزال متقدما، لكن الاتجاه أصبح واضحا: المغرب لم يعد يكتفي ببناء ميناء لخدمة اقتصاده، بل كان يبني مركزا قادرا على جذب حركة التجارة الدولية.

«إنذار أحمر» في الجزيرة الخضراء

ومع إعلان خطط توسعة طنجة المتوسط ورفع قدرته الاستيعابية، ارتفعت حدة المخاوف في جنوب إسبانيا.

وفي 2022، تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن «إنذار أحمر»، مستندة إلى دراسة حذرت من إمكانية خسارة ميناء الجزيرة الخضراء جزءا كبيرا من حركة الشحن العابر إذا تغيرت قواعد الانبعاثات الأوروبية وأصبحت الخيارات المغربية أكثر جاذبية.

وهنا لم تعد المسألة مجرد منافسة بين ميناءين متقاربين جغرافيا.

لقد أصبحت مرتبطة بقرارات شركات الشحن الكبرى، وبالقواعد الأوروبية، وبموقع كل ميناء داخل شبكة التجارة العالمية.

2020.. اللحظة التي تغير فيها ميزان القوة

جاءت نقطة التحول الرمزية في 2020، عندما تمكن طنجة المتوسط من تجاوز الجزيرة الخضراء في حركة الحاويات.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت الفجوة تتسع.

وفي 2023، وصلت حركة الحاويات في طنجة المتوسط إلى حوالي 8.6 مليون حاوية، مقابل نحو 4.73 مليون حاوية في الجزيرة الخضراء.

كما بلغ حجم البضائع المتداولة في الميناء المغربي حوالي 122 مليون طن، مقابل نحو 104.7 مليون طن في الجانب الإسباني، وفق الأرقام التي أوردتها تقارير إعلامية آنذاك.

لكن التطور الأكبر ظهر مع نتائج 2025.

فقد أنهى طنجة المتوسط السنة بحوالي 11.1 مليون حاوية و161 مليون طن من البضائع.

في المقابل، أنهى ميناء الجزيرة الخضراء السنة بحوالي 4.74 مليون حاوية.

الفارق لم يعد بسيطا.

طنجة المتوسط أصبح يتعامل مع أكثر من ضعف عدد الحاويات التي يعالجها الميناء الإسباني.

ولهذا تغيرت طبيعة المقارنة نفسها.

لم تعد الصحافة تتساءل فقط: هل سيتمكن طنجة المتوسط من اللحاق بالجزيرة الخضراء؟

بل بدأت المقارنة تنتقل إلى مستوى آخر: هل يستطيع الميناء المغربي منافسة عمالقة شمال أوروبا؟

من الجزيرة الخضراء إلى روتردام وأنتويرب

في 2026، بدأت بعض التقارير الأوروبية تصف طنجة المتوسط باعتباره منافسا لموانئ مثل روتردام وأنتويرب.

وهذه المقارنة وحدها تكشف حجم التحول.

فالمشروع الذي كان في 2003 مجرد فكرة تثير مخاوف إسبانيا، أصبح بعد أكثر من عقدين واحدا من أبرز مراكز الحاويات في المنطقة، ومنافسا لموانئ تمتلك تاريخا طويلا في التجارة البحرية العالمية.

هل هي حرب بين طنجة والجزيرة الخضراء؟

رغم ذلك، لا ترى جميع الأصوات في إسبانيا العلاقة باعتبارها مواجهة صفرية.

فموانئ الضفتين يمكن أن تتنافس على بعض خطوط الشحن، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بحركة تجارية مشتركة وبموقع استراتيجي واحد هو مضيق جبل طارق.

وقد سبق أن أشارت El País إلى أن طنجة المتوسط والجزيرة الخضراء، رغم المنافسة بينهما، يمكن أن يشكلا معا منظومة قوية على طرق التجارة العالمية.

لكن المنافسة تبقى حقيقية، خصوصا عندما يتعلق الأمر باختيار شركات الشحن للموانئ التي ستستخدمها في عملياتها الدولية.

اللافت أن قصة طنجة المتوسط لم تنتهِ بعد.

فالمغرب يواصل تطوير بنيته المينائية، فيما يقترب مشروع الناظور غرب المتوسط من الدخول إلى المعادلة مستقبلا.

وهذا يعني أن النقاش الإسباني قد لا يتوقف عند طنجة المتوسط وحده.

ففي عام 2003 كان السؤال: هل سيصبح طنجة المتوسط منافسا للجزيرة الخضراء؟

وفي 2026 أصبح السؤال مختلفا تماما:

إلى أي مدى يستطيع الميناء المغربي مواصلة الصعود داخل خريطة التجارة البحرية العالمية؟

والفارق بين السؤالين يلخص قصة 23 عاما من التحول.

من مشروع كانت إسبانيا تخشى أن يصبح منافسا، إلى ميناء يجعلها تعيد حساباتها أمام صعود مغربي سريع على بوابة المتوسط.

مقالات ذات صلة