رغم المكانة التي باتت تحتلها صناعة السيارات في الاقتصاد المغربي، لا تزال السوق المحلية تفتقر إلى منظومة متكاملة لتشجيع اقتناء المركبات الأقل استهلاكا للوقود والانبعاثات، وفق دراسة مرجعية أنجزت في إطار مشروع «Improve»، سلطت الضوء على فجوات تنظيمية وبياناتية تعرقل تسريع الانتقال نحو تنقل أكثر استدامة.
وتشير الدراسة إلى أن المغرب لا يطبق، إلى حدود الفترة التي تناولها التقرير، معايير إلزامية لاستهلاك الوقود أو نظاما عاما لوضع الملصقات التي توضح الكفاءة الطاقية للسيارات، كما لا يعتمد ضريبة خاصة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو دعما شاملا لاقتناء المركبات النظيفة. وترى الدراسة أن التدابير الموجودة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير تركيبة أسطول السيارات بشكل واسع.
وتبرز أهمية هذا التحدي بالنظر إلى وزن قطاع النقل في استهلاك الطاقة والانبعاثات بالمملكة. ففي سنة 2023، ساهم القطاع بنحو 28 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، واستحوذ على 36 في المائة من الاستهلاك النهائي للطاقة، في ظل اعتماد يتجاوز 99 في المائة على النفط. كما ارتفعت انبعاثات النقل بنسبة 26 في المائة منذ 2010، بينما زاد عدد المركبات من 2.68 ملايين سنة 2015 إلى 4.47 ملايين سنة 2023.
وتوضح الأرقام أن السيارات الخاصة تمثل 65.6 في المائة من الأسطول الوطني، بمتوسط عمر بلغ 13 سنة في 2022. كما شكلت مركبات السياحة نحو 51 في المائة من انبعاثات الغازات الدفيئة للنقل البري، ما يجعل تجديد الأسطول وتحسين كفاءة السيارات من الملفات المطروحة في مسار خفض الانبعاثات.
صناعة قوية وسوق داخلية تحتاج إلى مواكبة
في المقابل، حققت صناعة السيارات المغربية نموا لافتا، إذ تجاوز الإنتاج 500 ألف مركبة خلال 2025، وبلغت صادرات القطاع 154.49 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 33 في المائة من مجموع الصادرات المغربية. كما يوفر القطاع حوالي 280 ألف منصب شغل، ويمثل 23 في المائة من القيمة المضافة الصناعية وفق معطيات 2024.
غير أن هذا التقدم الصناعي لا ينعكس بالضرورة على توجيه السوق المحلية نحو المركبات الأقل تلويثا. وتفيد الدراسة بأن السيارات المستوردة شكلت 85.6 في المائة من المبيعات المحلية خلال 2023، بينما بلغ عدد السيارات الجديدة المبيعة في 2024 نحو 176,401 سيارة، بزيادة قدرها 9.2 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
وتراهن المملكة على رفع القدرة الإنتاجية لصناعة السيارات إلى مليوني مركبة سنويا في أفق 2030، مع تطلعات لزيادة إنتاج السيارات الكهربائية. لكن الدراسة تعتبر أن تطوير الإنتاج وحده لا يكفي، ما لم تواكبه تدابير تنظيمية ومالية تحفز المستهلكين والشركات على اختيار مركبات أكثر كفاءة.
امتيازات ضريبية دون تحفيز شامل
يستفيد عدد من السيارات الكهربائية والهجينة من امتيازات ضريبية، تشمل رسوما جمركية بنسبة 2.5 في المائة، مقابل 17.5 في المائة للمركبات الحرارية، إلى جانب الإعفاء من الضريبة السنوية على المركبات والضريبة على السيارات الفاخرة وفق المقتضيات المعمول بها.
لكن هذه التدابير لا ترقى، بحسب الدراسة، إلى نظام متكامل يربط مستوى الانبعاثات بكلفة اقتناء السيارة أو امتلاكها. كما أن برنامج تجديد السيارات الموجه إلى سيارات الأجرة يظل محدودا من حيث الفئات المستفيدة، ولا يشمل عموم الأسر والمستهلكين. ولا يتوفر المغرب، وفق التقرير، على دعم عام لاقتناء السيارات النظيفة أو نظام متكامل لمكافأة المركبات الأقل انبعاثا وفرض كلفة إضافية على الأكثر تلويثا.
وتضيف الدراسة أن ارتفاع أسعار شراء السيارات الكهربائية، ومحدودية محطات الشحن، وضعف حملات التعريف بمزايا المركبات النظيفة، قد تحد من انتشارها، إلى جانب احتمال تحفظ بعض الفاعلين في القطاع الخاص على التغييرات المرتقبة.
من بين أبرز الإكراهات التي رصدها التقرير، صعوبة تجميع البيانات الضرورية لتحديد مستويات استهلاك الوقود والانبعاثات في أسطول السيارات. فالمعلومات المتاحة لا تعتمد دائما دورة اختبار موحدة لقياس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما أن قواعد البيانات الخاصة بسيارات الأجرة ومركبات الدولة والدراجات الصغيرة لا تتكامل بالشكل المطلوب.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل توجه السلطات نحو إعداد نظام «المكافأة والعقوبة»، الذي يفترض أن يميز بين السيارات الأقل والأكثر تلويثا. وترى الدراسة أن وضع هذا النظام يحتاج إلى قاعدة بيانات موثوقة، وتنسيق مبكر بين وزارة النقل واللوجستيك ووزارة الاقتصاد والمالية وباقي المؤسسات المعنية.
أهداف مناخية تنتظر التنزيل
في مساهمته المحددة وطنيا برسم 2025، يستهدف المغرب خفض انبعاثاته بنسبة 53 في المائة بحلول 2035 مقارنة بالسيناريو المرجعي، شريطة الحصول على دعم دولي، بينما يبلغ الهدف غير المشروط 21.6 في المائة. ويُنتظر أن يساهم قطاع النقل بنحو 7.48 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2035، عبر مجموعة من التدابير التي يتوقف بعضها على التمويل الخارجي.
وتقدر الوثيقة أن نظام «المكافأة والعقوبة» يمكن أن يساهم في تفادي انبعاث 3.29 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون خلال الفترة نفسها. غير أن تفعيل هذه الإمكانات يظل مرتبطا بترجمة الأهداف إلى إجراءات عملية.
وتوصي الدراسة بتحسين جمع البيانات وتبادلها بين المؤسسات، وتعزيز التنسيق الحكومي، واعتماد نظام للحوافز والعقوبات المرتبطة بالانبعاثات، إلى جانب إرساء ملصقات واضحة للكفاءة الطاقية ومعايير لانبعاثات السيارات الجديدة، وتوسيع شبكة الشحن الكهربائي.
كما تدعو إلى مراعاة الأثر الاجتماعي لأي إصلاح مرتقب، من خلال مواكبة الأسر والمهنيين في قطاع النقل، وإطلاع المستهلكين على الخيارات المتاحة، وفتح الحوار مع الفاعلين الاقتصاديين.
وبين التقدم الصناعي والطموحات المناخية، يظل التحدي المطروح أمام المغرب هو نقل جزء من التحول الذي تعرفه صناعة السيارات إلى السوق المحلية، عبر قواعد واضحة وحوافز عملية تجعل المركبات الأقل استهلاكا للوقود والانبعاثات خيارا أكثر جاذبية للمستهلكين.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.