إذا كنت تعتقد أن تناول طبق “جراد البحر” (أو ما يعرف باللوبستر والاستاكوزا) هو السقف الأعلى للرفاهية ومؤشر على الانتماء لطبقة الأثرياء والوجهاء، فإن التاريخ يخفي صدمة حقيقية قد تجعلك تعيد النظر؛ فهذا الكائن البحري الفاخر الذي يدفع في طبقه اليوم مبالغ طائلة في الفنادق العالمية، يحمل “ماضيا أسود” في عالم الطبخ، حيث كان يصنف في مرتبة أقل من أكل الشوارع.
حشرة البحر وثورة في السجون!
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان جراد البحر وفيرا بشكل مزعج على شواطئ أمريكا الشمالية وكندا، لدرجة أن أمواج البحر كانت تقذفه بكميات هائلة بعد كل عاصفة. وبسبب شكله الذي يشبه الحشرات وغياب وسائل التبريد، أطلق عليه السكان آنذاك اسم “صراصير البحر” أو “دجاج سلة المهملات”.
الوضع كان طريفا ومقلوبا تماما؛ إذ كان هذا الطبق حكرا على الفقراء، والمشردين، والماشية! والأغرب من ذلك، أنه كان يقدم كوجبة يومية أساسية في السجون؛ ومشتعلة بحس الكرامة، أعلنت جماعات من السجناء في تلك الحقبة “ثورات واحتجاجات عارمة” ضد إدارات السجون، أسفرت عن استصدار قوانين قضائية صارمة تمنع إطعام السجناء جراد البحر أكثر من مرتين في الأسبوع، باعتبار ذلك “عقوبة قاسية ومعاملة مهينة لا تليق بالبشر”.
لكن، كيف تحولت “الحشرة المقززة” إلى “أيقونة المخمليين”؟ الإجابة تكمن في عبقرية التسويق ولعبة الصدفة خلال القرن التاسع عشر بفضل اختراع القطارات والتعليب.
بدأت الشركات بتعليب جراد البحر الرخيص وشحنه إلى المدن الداخلية. وحين بدأت خطوط السكك الحديدية تنقل مسافرين من طبقات غنية لم يسبق لهم أن زاروا السواحل أو سمعوا عن السمعة السيئة لهذا الكائن، غامرت المطاعم داخل القطارات بتقديم جراد البحر “الطازج” كوجبة بحرية غريبة ومثيرة. الأثرياء، الذين لم تكن لديهم أدنى فكرة عن أنه “أكل السجناء”، أعجبوا بشدة بمذاقه الفريد وشكله الاستعراضي، وظنوا أنه صيد نادر وثمين، لتنطلق من هنا رحلة صعوده إلى قمة البرجوازية.
ومع مرور الوقت وتوالي الحروب التي فرضت تقنين اللحوم الأخرى، ارتفع الطلب عليه بشدة مقابل تراجع أعداده في الطبيعة، ليتكفل “قانون العرض والطلب” برفع سعره إلى أرقام خيالية. وهكذا، نجح جراد البحر في تبييض سيرته الذاتية بالكامل، متنقلا بذكاء من زنزانة السجين البائس إلى ملاعق الأثرياء، مؤكدا أن المظاهر والقيمة في عالمنا… قد تتغير بـ”ركبة قطار”.


