عاد ملف سبتة ومليلية إلى دائرة الاهتمام السياسي في الولايات المتحدة، بعدما نشر النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي مقتطفات من تقرير رسمي أمريكي مرفق بمشروع قانون للإنفاق الخارجي، مسلطا الضوء على الصياغة التي اعتمدتها لجنة في الكونغرس بشأن المدينتين المحتلتين.
وجاء تحرك ماسي في سياق الجدل السياسي الذي رافق موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة، وانتقادات وجهها لوسائل إعلام وشخصيات جمهورية اتهمها بتبني مواقف متشددة بشأن إسبانيا وحدودها، بينما أشار إلى أن نوابا من الحزب نفسه سبق أن صوتوا على وثيقة تتضمن إشارات إلى الوضع المستقبلي للمدينتين.
وثيقة أمريكية تتحدث عن “الوضع المستقبلي” لسبتة ومليلية
يتعلق الأمر بمشروع القانون الأمريكي H.R. 8595 الخاص باعتمادات وزارة الخارجية وبرامج الأمن القومي للسنة المالية 2027، والذي صادق عليه مجلس النواب الأمريكي يوم 15 يوليوز الماضي بأغلبية 217 صوتا مقابل 209.
وكان النائب توماس ماسي الجمهوري الوحيد الذي صوت ضد المشروع، في حين تغيب نائبان جمهوريان عن جلسة التصويت.
وأرفق المشروع بتقرير صادر عن لجنة الاعتمادات يحمل الرقم 119-631، حيث تضمن الجزء المتعلق بالمغرب مجموعة من الملاحظات ذات البعد السياسي والدبلوماسي.
وتبرز أهمية التقرير، خصوصا في الصفحة 87 منه، حيث أشارت لجنة الاعتمادات إلى العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة والمغرب، المرتبطة بمعاهدة السلام والصداقة لسنة 1786، كما أوصت بتخصيص تمويلات لدعم برامج مرتبطة بالأمن القومي والتمويل العسكري الخارجي.
صياغة مختلفة داخل وثيقة رسمية أمريكية
الجدل الأكبر لم يرتبط بالاعتمادات المالية، بل باللغة المستخدمة في التقرير عند التطرق إلى سبتة ومليلية.
فقد وصف التقرير المدينتين بأنهما “مدينتان تحت الإدارة الإسبانية وتقعان في التراب المغربي”، مشيرا إلى أنهما تشكلان موضوع “مطالبة مغربية طويلة الأمد”.
كما أعربت لجنة الاعتمادات عن دعمها للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تشجيع الحوار بين المغرب وإسبانيا حول “الوضع المستقبلي” للمدينتين.
وتحمل هذه العبارات أهمية سياسية، باعتبار أن التقرير لم يكتف بوصف سبتة ومليلية كمدينتين إسبانيتين، بل استخدم تعبيرا يميز بين الإدارة الحالية وبين مسألة السيادة، من خلال الفصل بين كون المدينتين تحت إدارة إسبانيا ووجود ارتباط جغرافي بالمغرب.
لم يقدم النائب توماس ماسي الوثيقة باعتبارها انتصارا دبلوماسيا للمغرب، بل وظفها في إطار انتقاده لما اعتبره تناقضا داخل المعسكر الجمهوري.
وأشار إلى أن بعض الأصوات الجمهورية التي طالبت بالدفاع عن إسبانيا في سياق أزمة الهجرة، سبق لها أن دعمت مشروع قانون مرفقا بتقرير يتضمن نقاشا حول مستقبل سبتة ومليلية.
ونشر ماسي نتائج التصويت والصفحات المتعلقة بالمدينتين، في محاولة لإبراز ما وصفه بازدواجية الخطاب بين بعض السياسيين ووسائل الإعلام المحافظة.
أهمية دبلوماسية للصياغة الأمريكية الجديدة
ويرى مراقبون أن أهمية التقرير تكمن في كونه وثيقة صادرة عن مؤسسة تشريعية أمريكية، وتستخدم لأول مرة ضمن هذا السياق مصطلحات من قبيل “الإدارة الإسبانية” و”التراب المغربي” و”الوضع المستقبلي”.
ولا يعني ذلك تغييرا رسميا في موقف الولايات المتحدة من وضع المدينتين، لكنه يعكس دخول لغة جديدة إلى وثائق سياسية أمريكية يمكن للمغرب الاستناد إليها في مساره الدبلوماسي.
كما أن الإشارة إلى تشجيع الحوار المغربي الإسباني حول مستقبل سبتة ومليلية تعني أن الملف لا يتم التعامل معه في هذه الوثيقة باعتباره قضية محسومة، بل كموضوع يمكن أن يكون محل نقاش سياسي بين الطرفين.
ويأتي هذا التطور في وقت تواصل فيه الرباط التأكيد على موقفها من المدينتين، باعتبارهما جزءا من التراب المغربي، بينما تعتبر مدريد سبتة ومليلية مدينتين تابعتين للسيادة الإسبانية.


