لا يزال العدد الحقيقي لسكان مخيمات تندوف بالجزائر مجهولا. وتمر قرابة نصف قرن على نشأة هذه المخيمات، دون إحصاء شامل لسكانها.
ويقرّ المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوجود فرق بين تقديرات إجمالي السكان. وتختلف هذه التقديرات عن أعداد الفئات الأكثر هشاشة المستفيدة من مساعداته.
ولا تقتصر الأسئلة المطروحة على الجانب الإنساني. فهي تشمل أيضا ظروف انتقال السكان إلى تندوف، ودور الجزائر في النزاع حول الصحراء المغربية. كما تمتد إلى الوضع القانوني للمقيمين وحقوقهم.
من حركة مناهضة للاستعمار إلى طرف في النزاع
تأسست جبهة البوليساريو سنة 1973. وشارك في تأسيسها طلبة صحراويون شباب، في سياق مقاومة الوجود الإسباني بالصحراء.
لكن شهادات عدد من الأعضاء المؤسسين السابقين تتحدث عن تحولات في مسار الحركة. وتتناول هذه التحولات الفيلم الوثائقي «هوية جبهة»، للمخرج حسن البوحاروتي.
ويعتمد الفيلم على شهادات أعضاء سابقين. كما يرصد الدور الذي لعبته الجزائر تدريجيا في توجيه مسار الجبهة.
وبحسب الشهادات الواردة في الوثائقي، ابتعد المشروع الأول عن هدفه المناهض للاستعمار. وتحول تدريجيا إلى أداة في صراع النفوذ بين المغرب والجزائر.
وفي حوار مع صحيفة «ميديا24»، تناول البشير الدخيل هذا التحول. والدخيل أحد الأعضاء المؤسسين السابقين للبوليساريو.
ويرى أن ملف سكان المخيمات أصبح ورقة أساسية في نفوذ الجبهة. كما اتهم قيادتها بالإبقاء على الغموض بشأن العدد الحقيقي للصحراويين في تندوف.
واعتبر الدخيل أن جزءا من الشرعية السياسية للبوليساريو يرتبط باستمرار هذا الوضع. ويرى أن التحكم في معطيات السكان يعزز موقع الجبهة.
شهادات عن ظروف نقل السكان إلى تندوف
تطورت مخيمات تندوف عقب انسحاب إسبانيا من الصحراء. وجاء ذلك بعد المسيرة الخضراء وتوقيع اتفاقية مدريد في 14 نونبر 1975.
لكن ظروف انتقال السكان إلى المنطقة لا تزال موضع تساؤلات. فقد تحدثت شهادات عن عمليات نقل قسري. كما أشارت إلى دور السلطات الجزائرية، بما فيها الجيش.
وقال علي نجاب، المعتقل السابق لدى البوليساريو، إن نحو 20 ألف شخص نُقلوا قسرا إلى تندوف. وينحدر هؤلاء، بحسب شهادته، من المدن المغربية الصحراوية.
وحدد نجاب الفترة الممتدة بين نونبر 1975 ويناير 1976 موعدا لهذه العمليات. كما تحدث عن دور السلطات الجزائرية في نقل السكان إلى المخيمات.
وتندرج هذه الرواية ضمن شهادات معتقلين ومسؤولين سابقين في الجبهة. ولا تمثل، في حد ذاتها، إحصاء رسميا شاملا.
من جهته، قدم مصطفى سلمى ولد سيدي مولود شهادة أخرى. وكان يشغل سابقا مسؤولية شرطة المخيمات.
وفي حوار مع «ميديا24» سنة 2021، قال إنه نُقل قسرا إلى تندوف رفقة أسرته. ووقع ذلك في أكتوبر 1979، حين كان يقيم قرب السمارة.
كما تحدث ولد سيدي مولود عن أجواء وصفها بالتلقين الأيديولوجي والرقابة السياسية. وتعيد شهادته طرح أسئلة بشأن حرية التنقل داخل المخيمات.
وتشمل هذه الأسئلة أيضا إمكانية مغادرتها وحق السكان في العودة.
من يستوفي شروط صفة اللاجئ؟
يتجاوز الجدل حول مخيمات تندوف ظروف تأسيسها. فهو يشمل أيضا الوضع القانوني للأشخاص المقيمين فيها.
ويطرح هذا الملف سؤالا أساسيا: هل يستوفي جميع السكان شروط الاعتراف بصفة اللاجئ؟ ويزداد هذا السؤال تعقيدا بسبب غياب إحصاء شامل يحدد وضع كل شخص.
وتحدد اتفاقية جنيف لسنة 1951 شروط اكتساب صفة اللاجئ. وتشمل شخصا يوجد خارج بلده، ويخشى التعرض للاضطهاد لأسباب محددة.
وتتمثل هذه الأسباب في العرق أو الدين أو الجنسية. وتشمل أيضا الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو الآراء السياسية.
أما اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لسنة 1969، فتوسع نطاق التعريف. وتشمل أشخاصا اضطروا إلى مغادرة أماكن إقامتهم بسبب عدوان خارجي أو احتلال.
كما تشمل من غادروا بسبب أحداث أخلّت بصورة خطيرة بالنظام العام.
ويذهب كاتب المادة الفرنسية إلى أن هذه المعايير لا تنطبق على سكان مخيمات تندوف. ويعتبر أنه لم يوثق انتقال طوعي جماعي للصحراويين المغاربة نحوها.
ويشير المصدر أيضا إلى أن من غادروا مناطقهم خشية انتهاكات القوات الإسبانية اتجهوا نحو الأقاليم المغربية الواقعة شمال الصحراء.
وفي القانون الدولي، يعد الاعتراف بصفة اللاجئ إجراء كاشفا عن وضع قانوني قائم. فهو لا ينشئ هذه الصفة، بل يقر بوجودها عند استيفاء شروطها.
ويمكن للمفوضية السامية للاجئين اعتماد الاعتراف الجماعي، المعروف بصيغة Prima Facie. ويسمح هذا الإجراء بالاعتراف بمجموعة من الأشخاص دون فحص كل ملف على حدة.
لكن الاعتراف الجماعي لا يلغي الحاجة إلى تحديد هوية المعنيين. كما تظل معرفة أوضاعهم الفردية مسألة أساسية.
وهنا تبرز مسألة غياب التسجيل الرسمي لسكان المخيمات. فقد أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عدم إجراء هذا التسجيل.
وجاء ذلك في تقريرها السنوي بشأن الجزائر. وأوضح التقرير أن المفوضية والدولة المضيفة لم تجريا تسجيلا رسميا للاجئين الصحراويين في المخيمات.
المغرب يجدد مطلب إحصاء السكان أمام مجلس الأمن
يشكل تسجيل سكان المخيمات وتحديد هوياتهم مطلبا مغربيا متكررا. وتدعو الرباط المفوضية السامية للاجئين منذ سنوات إلى إجراء عملية إحصاء وتسجيل.
ويهدف هذا المطلب إلى تحديد العدد الحقيقي للسكان وتركيبتهم. كما يرتبط بتوضيح وضعهم القانوني والإنساني.
وفي 30 أكتوبر 2026، جدد السفير المغربي لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، هذا المطلب أمام مجلس الأمن. ودعا الجزائر إلى السماح بإجراء عملية التسجيل.
كما انتقد ما وصفه برفض السلطات الجزائرية لهذه العملية.
ويربط المغرب هذا الملف بضمان الحماية الفعلية لسكان المخيمات. ويؤكد أيضا أهمية صون حرية تنقلهم وتمكينهم من اختيار مستقبلهم بحرية.
ويعتبر الإحصاء خطوة أساسية لمعالجة وضع إنساني مستمر منذ عقود. كما يمهد الطريق أمام حلول دائمة ينص عليها القانون الدولي.
وتشمل هذه الحلول العودة الطوعية إلى بلد الأصل. كما تشمل الاندماج في بلد الاستقبال أو إعادة التوطين في بلد ثالث.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.