دخلت القوات المسلحة الملكية مرحلة حاسمة في مسار تحديث ترسانتها البحرية والدفاعية؛ حيث تقلصت قائمة الدول المتنافسة للفوز بصفقة تزويد المملكة بأولى غواصاتها الحربية إلى ثلاثة فاعلين كبار فقط، مع تسجيل إقصاء العرض الإسباني من السباق. ووفقا لما ورد في التقرير التحليلي الأخير الصادر عن مؤسسة “يوجين للاستثمار والأوراق المالية” (Eugene Investment & Securities) الكورية الجنوبية، فإن المنافسة انحصرت بشكل مباشر بين كل من كوريا الجنوبية، وألمانيا، وفرنسا.
وأوضح الوثيقة الرسمية الصادرة عن المؤسسة المالية الكورية، أن مدريد غادرت رسميا حلبة التنافس على هذا البرنامج البحري الطموح. وتتباين التقديرات والدراسات التحليلية الصادرة في سيول حول الحجم الدقيق لهذا البرنامج؛ إذ تشير دراسة أعدتها مؤسسة “إس كي للأوراق المالية” (SK Securities) إلى أن الاحتياجات المغربية تتركز حول اقتناء غواصتين يتراوح وزنهما بين 1500 و2000 طن، مؤكدة أن المفاوضات الرسمية في هذا الصدد انطلقت منذ سبتمبر من عام 2025. وفي المقابل، تذهب تقارير كورية أخرى إلى أن الصفقة قد تشمل ما بين غواصتين إلى ثلاث غواصات، تهدف المملكة من خلالها إلى تأسيس أول قوة هجومية تحت مائية، قادرة على كبح القوة البحرية الإقليمية المجاورة، وتأمين حماية مضيق جبل طارق والممرات الملاحية الحيوية.
وفيما يخص العرض الكوري الجنوبي، فقد تركز الاهتمام منذ أبريل 2025 على الغواصة “KSS-III” من فئة “دوسان آهن تشانغ-هو”، التي يجري تصنيعها عبر تحالف شركتي “هانوها للمحيطات” و”إتش دي هيونداي للصناعات الثقيلة”، وهي غواصة تعمل بالديزل والكهرباء وتبلغ حمولتها 3000 طن —وهو وزن يتجاوز التقديرات التي نشرتها “إس كي للأوراق المالية”— مما يفتح الباب أمام احتمال إدخال تعديلات تقنية خاصة لتلائم المتطلبات المغربية أو اقتراح طراز كوري آخر. ويذكر أن تقريرا سابقا يعود لشهر نوفمبر 2025 كان قد صنف مجموعة “نافال غروب” (Naval Group) كخيار فرنسي مفضل، إلا أنه بعد مرور سبعة أشهر لا يزال الباب مواربا والصراع محتدما بين العواصم الثلاث.
وعلى صعيد الدفاع الجوي قصير المدى، كشف منشور المؤسسة الكورية الجنوبية عن إبرام المملكة لصفقة تسليح مؤكدة، اقتنى بموجبها المغرب 101 صاروخا من طراز “شينغونغ” (Shingung) و50 منصة إطلاق من المجمع الصناعي الكوري “إل آي جي نيكس ون” (LIG Nex1). واستنادا إلى سجل الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية، فإن عملية تسليم هذه الشحنات تمت خلال عام 2025؛ ويصنف سلاح “شينغونغ” (المعروف أيضا بـ KP-SAM) كمنظومة صواريخ أرض-جو محمولة على الكتف، ومخصصة لاحتياجات الاعتراض المباشر للأهداف الجوية والمقاتلات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
ولم تتوقف حدود التقارب العسكري عند هذا الحد، بل اتسعت لتشمل عروضا برية وجوية متكاملة؛ وجاء هذا الزخم عقب الزيارة الميدانية التي قام بها رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة المغربي، إلى سيول في أبريل 2025، حيث عقد اجتماعات مكثفة مع كبار المسؤولين الدبلوماسيين والاقتصاديين الكوريين، وعلى رأسهم رئيس شركة “هيونداي روتيم”. وبناء على ذلك، ربطت الصحافة الكورية الجنوبية اهتمام المغرب باقتناء الدبابة القتالية الشهيرة “K2″، ومنظومة الدفاع الجوي متوسطة المدى “تشونغونغ” (Cheongung).
وتشير البيانات اللوجستيكية المتداولة مع مطلع عام 2026، إلى أن الاحتياجات المحتملة للمملكة قد تصل إلى 400 دبابة من طراز “K2” التي تنتجها “هيونداي روتيم” بمحرك ديزل بقوة 1500 حصان، مع تقديم نسخة مخصصة للعمل في الظروف المناخية ذات الحرارة المرتفعة. ومع ذلك، أفادت نشرة تحليلية كورية مؤرخة في 19 يناير بأن هذه الأرقام تظل تقديرية واستشرافية، كون الرباط لا تزال تباشر مساطر تقييمها الداخلي ولم تبدأ بعد في أي مفاوضات جوهرية أو رسمية مع الشركات المصنعة بخصوص الدبابات. كما تشمل قائمة المواد المعروضة على طاولة النقاش مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة “K9” وراجمات الصواريخ المتعددة “تشونمو”، دون تحديد قيم مالية أو جداول زمنية رسمية، مما يجعل صواريخ “شينغونغ” الصفقة الوحيدة المؤكدة بأرقام تسليم دقيقة حتى الآن.
وفي الشق الجوي، انضمت المقاتلات النفاثة إلى محفظة الاهتمام المغربي خلال الفترة ما بين 8 و12 فبراير 2026، على هامش فعاليات معرض الدفاع العالمي بالرياض؛ حيث التقى وفد مغربي رفيع المستوى يقوده عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، بمسؤولي شركة صناعات الفضاء الكورية (KAI)، واطلع على الخصائص الفنية لطائرات “FA-50” المخصصة للتدريب المتقدم والمهام القتالية. وفي السياق ذاته، صنفت دراسة صادرة عن مؤسسة “ميريتز للأوراق المالية” (Meritz Securities) في 8 مايو 2026، المغرب كأحد الأسواق الواعدة والمستهدفة لتصدير هذا الطراز من الطائرات، وربطت الصحافة الكورية هذا الاهتمام المتزايد ببلوغ ميزانية الدفاع المغربية حاجز 15.7 مليار دولار برسم عام 2026، مسجلة ارتفاعا مستمرا لثلاث سنوات متتالية في الإنفاق العسكري للمملكة.


